أبي منصور الماتريدي

5

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولكن المعنى من ذلك كله واللّه أعلم : أن اللّه بعث رسوله أميّا في قوم أميين لا يعلمون الحكمة وماهيتها ، وجعل ذلك آية لرسالته وحجة لنبوته ؛ لأنه إذا كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ الكتب ، ثم آتاهم الكتاب مؤلفا منظوما يوافق كتب أهل الكتاب دل أنه إنما علم ذلك بالوحي ، وأنه لم يختلقه من عند نفسه ، واللّه أعلم . ثم الدليل على أنه كان رسولا إليهم جميعا قوله : كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ سبأ : 28 ] ، وما روي عنه - عليه السّلام - أنه قال : « بعثت إلى الأحمر والأسود » « 1 » يعني : إلى الإنس والجن ، ولأجل أنه لما بعث إلى طائفة ليدعوهم إلى طاعة اللّه تعالى وعبادته ، علم أنه رسول إلى غيرهم ؛ إذا لم يكن لهم رسول آخر ؛ لأن الطائفة الأخرى إذ لم يكن لهم رسول آخر ، واحتاجوا إلى معرفة الأمر والنهي وإلى طاعة الرحمن حاجة الطائفة التي بعث إليهم ؛ دل أنه رسول إليهم جميعا ، واللّه أعلم . وقوله : بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ . معناه : أنه بعث صلّى اللّه عليه وسلم في قوم أميين لا يعرفون عبادة اللّه ولا يقرءون الكتاب ، بل كانت عادتهم عبادة الأصنام . وقيل في تأويل الأميين : هم الذين لم يؤمنوا بالكتب ، ولكن هذا فاسد ؛ لأن اللّه تعالى سمى نبيه - عليه السّلام - أميّا بقوله : النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] . وقيل « 2 » : سماهم : أميين ؛ لأنهم لا يقرءون الكتاب ولا يكتبون على الأعم الأغلب ، وإن كان فيهم القليل ممن يقرأ ويكتب ، ومن هذا سمي النبي صلّى اللّه عليه وسلم : أميّا ؛ لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ في كتاب ولم يعلم ذلك ؛ قال اللّه تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [ العنكبوت : 48 ] ، وعلى ذلك روي عن النبي - عليه السّلام - : « الشهر هكذا وهكذا » وأشار بأصبعه ، وقال : « إنما نحن أمة أمية لا تحسب ولا تكتب » « 3 » . وقال الزجاج : الأمي هو الذي لا يحسن القراءة والكتابة ولم يتعلم ، ويكون على ما

--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ( 8 / 261 - 262 ) من حديث ابن عباس ، وقال : رواه أحمد والبزار والطبراني بنحوه . . . ورجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد ، وهو حسن الحديث ؛ وذكره أيضا من حديث أبي موسى وأبي ذر وابن عمر . ( 2 ) قاله قتادة أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ( 34074 ) و ( 34075 ) وابن المنذر عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 321 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4 / 623 ) كتاب الصوم ، باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا نكتب ولا نحسب » ( 1913 ) ومسلم ( 2 / 761 ) كتاب الصيام ، باب : وجوب صوم رمضان ( 15 / 1080 ) من حديث ابن عمر بلفظ : « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، الشهر هكذا وهكذا » .